JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

recent
أحدث الموضوعات

قصة قصيرة بعنوان " وحدة الحكمة "


وِحدةُ الحكمة

في منتصف شهر كانون الثاني ، من عام ألف و تسعمائة و تسعة و تسعون ميلادية . بعد زوال قرص الشمس بساعات ، خفَّت ضَرَبات الأقدام على الأرض إنتظاماً مع العد المتكرر " حِد ، إثنين ، ثلاثة ، هوب .. حِد ، إثنين ، ثلاثة ، هوب .... " ، إلى أن تلاشت بعيداً حيث سكتت و تفرق أصحابها إلى حيث النوم .


في منتصف شهر كانون الثاني ، من عام ألف و تسعمائة و تسعة و تسعون ميلادية . بعد زوال قرص الشمس بساعات , قصة قصيرة , بعنوان , وِحدةُ , الحكمة , تألبف , عادل أنسي محمد .
الصورة من تصوير الكاتب

سرعان ما صَعُب على صراصير الليل أن تترك المكان ينعم بهدوئه ، فقد بدأت تعزف مقطوعاتها الموسيقية التي ينادي الذكر بها أنثاه ، و ينغص بها كل هدوءٍ وُجد فيه ، و يؤرق كل خيالٍ طلب السكون ، و لم يشاركها في هدم ذلك الهدوء إلا أصوات غاضبة تهمس لبعضها البعض ، هذا يحكي لهذا كيف وصل هنا ، و آخر يسأل آخر لو يعطيه غطاء ليلتحف به ليقيه قسوة البرد و لم يجد ، و هذا يلعن مَن وضعه هنا أو أرسل له ذلك الخِطاب اللعين ، و أصوات الحقائب التي أعلنت أنها ستتقيأ ما فيها الآن ، ورائحة أقدام تعفنت في لحدها ، الذي عَصرت نفسها فيه طيلة يوم طويل و كئيب .

أصوات منخفضه تتشابك مع أزيز ريح مُثَلجة تأتي من كل جانب و من كل شَق أو فتح أو من تحت باب ، لتعرض حالة من الفوضى الهادئة لأناس إحترموا قُدسية المكان الذي وُضعوا فيه قسراً . مسجدٌ جُمع فيه ما يقرب من عشرين رجل ، تتراوح أعمارهم بين الخمسة و ثلاثين و الخمسة و أربعين عاماً ، منهم الطبيب و المهندس و المحامي و المحاسب ، و بين هذه الفوضى ، كان أحدهم مستلقياً على ظهره ، قابع في زاوية من زوايا المسجد الذي لم يزُره من قبل ، و لا يعرف إسمه أو أي شئ عنه سوى أنه مسجد داخل وحدة عسكرية تقع بالقرب من الحدود الغربية لبلده التي نشأ فيها و التي أقسم أن يُلبي لها النداء متى نادت ، . في هذه الزاوية ترك لِكَفَّيه مسئولية حِمل رأسه التي كادت تنفجر كمداً ، أو تسقط من ثقل ما فيها من ألم لِما كان في هذا اليوم .

وَضعَ كفيه خلف رأسه متخذاً من حقيبته وسادة ، و التي تحوي ملابس تكفي لأسبوعين من الإقامة ، التي كان يظنها ستكون إقامة خمس نجوم !  ناظراً إلى سقف المسجد ، فتح عينيه و نسيَ أن يغلقهما ، سلَّم فِكرَهُ لمحاولة إقناع نفسه أنه الآن في فترة إستدعاء لخدمة الوطن لمدة خمسة عشر يوماً ، و أن هذه الأيام ستمر ، سواء كان ينام على فراش في فندق خمس نجوم ! أو كان يفترش حصير المسجد . ستمر الأيام !!

ما أسرع الأيام الحلوة حين تمر ، و ما أثقلها الأيام حين تكن مره . ينظر في ساعة يده كل فترة ، ظناً منه أن الليلة إنتهت ، و أن الصبح سيضئ من باب المسجد و نوافذه ليعلن وفاة أول يوم في هذا المكان و مولد يوم جديد . إلا أن الحسرة تعصر قلبه عصراً ، حين يجد الساعة لم يمر منها إلا دقائق قليلة بعد النظرة السابقة لها ، فيرجو عندها الليل أن يزول و يتوسل للصبح أن يزور .

نام كل من في المسجد ، مُلتفين بالحصير على الأرض مثل سندوتشات الشاورمة الملفوفة في الخبز السوري إلا أنها سندوتشات مجمدة ! كلهم ناموا إلا هو ، شدَّ عليه البرد قسوته و لم يجد ما يدافع به عن دمه أن يتجمد سوى ما حمله في حقيبته من ملابس ، إرتدى كل ما فيها ، و ألقى بنفسه سريعاً في بركان أفكاره الثائر مجددا محاولاً أن يجد لنفسه تفسيراً عن ما حدث " لماذا ينام في المسجد ؟ " ، ظل ناظراً لسقف المسجد ، يسأل نفسه " لماذا أنا هنا ؟ " ، و يبحث عن إجابة لسؤاله و لم يجد . يضئ ساعة يده لينظر فيها كأنه يرجوها أن تجري ، يتأفف و هو يقول قد مر من الوقت رُبع ساعة !

إلا أنه قد وجد لنفسه ونيس في ليلته ، بين حين و حين يسمع حفيف الشجر خارج المسجد ، يتسلل إلى أذنه من النافذة التي ينام تحتها ، و كأن الشجر يقول له " أنا معك سهران و لم أنم " ، يحاول أن يُترجم حديث الشجر، لكنه لا يفهم للأشجار حديث أو لغة ، هل هذه تسابيح الشجر ؟ هل هذه مغازلة ليلية بين الشجر ، كتلك التي تصدرها صراصير الليل ؟ يحاول أن يُسلّي نفسه بأسئلة يلقيها على نفسه مجتهداً في الإجابة عنها ليقتل الوقت و لتمر الليلة .

الدقائق تمر كسلحفاة تسير على طريق مفروش بالصمغ ، و هو مندمج في لعبته الجديدة بين سؤال يبحث عن إجابتة و بين النظر في ساعة يده ، يسمع خطى منتظمة تقترب من الباب ، خطى هادئة ، كمن يتجسس على قوم من بعيد ، و كلما إقتربت الخطى من الباب ، تخلى هو عن النظر للسقف ، و ترك ترجمته لحديث الأشجار و أرسل نظره لباب المسجد عن يمينه ليرى قدمين واثقتين ثابتتين أمام الباب تقف لثوانٍ معدودة و تنصرف .

لم يستغرق من الوقت الكثير ليقنع نفسه أن هذا هو فرد الحراسة الجوّال داخل الوحدة ليطمئن أن كل الأمور هادئة و مستقرة . و قبل أن يعاود النظر إلى السقف الذي إفتقده لدقائق ، قفزت منه علامة تَعَجُب بعدما أطال النظر إلى تلك الفتحة أسفل الباب ، فتحة قد يعبر منها إنسان على بطنه زحفاً أو كلبٌ يجري مفزوعاً و هو يرى ذلك الباب المصنوع من السلك لمنع الناموس من المرور ليلاً !!
تباً لهذا الباب الذي يخشى ملامسة الأرض ، كخشية ذكرٍ يخشى أن يُلامس أنثى لا تَحِل له !!

إشتاقت يداه لحمل رأسه من جديد ، كما إشتاقت عيناه للنظر إلى السقف ، و عاد كل مشتاق لما إشتاق له ، و عاد هو ليسأل نفسه " لماذا أنا هنا ؟ " . هذه المرة إسترجع قاعدة تحليلية كان يسير عليها في تحليل الأمور الحياتيه كلما غاب عنه فهم الحكمة من حدوث شئ لا يعلم لماذا حدث ، " لكل شئ سبب " .

حدَّث نفسه قائلاً " لكل شئ سبب ، و من المؤكد أن هناك سبب لوجودي هنا ، سبب لأنام داخل مسجد على حصير و أنا في عمري هذا و في هذا المنصب ... لابد من سبب !! "  . إلا أن صوتاً قاطع تسلسل أفكاره و لم يميز منه ما قال و لم يعرف مصدر الصوت غير أنه قطع تفكيره للحظات و حاول الإنصات لعل الصوت يتكرر ، ثواني مرت و سمع من يقول " غَطي البت يامّا .. " و تبع الصوت صوت " شَخير " عنيف ، علم منه أن المتحدث نائم ، ربما يحلم بابنته الصغيرة " آخر العنقود " و هو يوصي أُمَه أن تغطيها ، هل هو أرمل ؟ هل هو مطلق ؟ لا يهم الآن هذه الأسئلة و هذا التحليل ، ففي كل حصيرة الآن تلتف حكاية . لكل شئ سبب .

نظر في ساعة يده . نظر إلى السقف . و أخيراً قرر أن يُغلق عينيه طوعاً محاولاً أن يبحث عن سبب لوجوده هنا أو الحكمة من وجوده هنا . كان بإمكانه هو و من معه أن يستمع إلى كلام قائد الوحدة صباحاً عندما قال أن المعسكر مُعَد لإقامة الضباط الإحتياط في الخيام ، عندها إعترضوا على النوم في الخيام في فترة الإستدعاء و تسارعت الأحداث و النقاشات و المجادلات ليرى نفسه و من معه مدفوعون إلى المسجد ليكون المسجد هو المصير الأخير و الوحيد للنوم فيه حتى إنتهاء فترة الإستدعاء الخمسة عشر يوماً . لم يشأ فتح عينيه إلا بإحدى الحسنيين ، إما أن يجد الإجابة عن سؤاله و فهم الحكمة من نومه هكذا ، و إما أن يظل نائم حتى تنتهي المدة و هو المستحيل .

" حسبي الله و نعم الوكيل " ظن أن أحد يتحدث بجواره و يقولها ، فتح عينيه بسرعه و تلفت يمينا و يسارا ليرى من المتحدث ، الكل نائم في لفته ، و لم يجد أحد بجواره ، ربما غلبني النوم لحظه ! قالها لنفسه و هو ينظر في ساعة يده و لم يمر من الوقت ما يشير أنه نام ! شعر بالبرد ، قام ليبحث عن حصيره ، ليس ليلف نفسه بها إنما ليسد بها تلك الفتحة الموجودة أسفل الباب و قد فعل ، ثم عاد إلى سابق فعله .

" حسبي الله و نعم الوكيل " ، سمعها مجددا بصوت أعلى مما سبق ، لكن هذه المره بصوت يعرفه ، و يتذكره و لم يغب عن أذنه منذ ما يقرب من عشر سنوات ، إستمر في غلق عينيه هذه المره و لم يفتحها و لم يبحث عن مصدر الصوت ، ذهب بذاكرته إلى عشر سنوات مضت ، كان وقتها يشغل منصب رئيس قسم التركيبات في شركة لإنشاء المصانع ، تذكر منها يوماً قد طلب منه رئيسه المباشر أن يوفر سكن للعمال الذين يعملون باليومية لمدة خمسة عشر يوماً حتى ينتهي العمل بالموقع ، و ما كان منه وقتها إلا أنه أمر بفتح مسجد الموقع لهم ليلاً ليكون مكان نومهم فيه حتى تنتهي الأعمال و عند باب مكتبه وجد رجلاً أربعينياً يجلس أمامه ، ما إن رآه حتى قال له كيف يكون النوم في المسجد في هذا الشتاء و البرد قارس ؟ إحتد عندها النقاش و إشتعل ، و ما كان منه إلا أن دخل مكتبه ، و ما كان من الأول غير أنه قال " حسبي الله و نعم الوكيل " .

هنا فتح عينيه ناظراً الى السقف مبتسماً و هو يقول " وصلت الرسالة " .

تتقدم الخطى الهادئة ناحية باب المسجد ، نظر إلى اليمين ليرى فرد الحراسة و ينتظره لينصرف ، إلّا أن هذه المره فُتح باب المسجد ليدخل مؤذن المسجد ، الله أكبر .. الله أكبر .. عندها قام النيام .. دخل الضباط و الجنود .. صلوا الفجر .. بدأ يوم جديد ، بفجرٍ جديد و فكرٍ جديد ، و إنتهت مدة الإستدعاء و عاد هو إلى شركته ، ينظر إلى نتيجة الحائط المعلقة خلفه أعلى كرسي مكتبه ، قرأ الحكمة المكتوبة أسفل ورقة النتيجة ثم قال و هو يبتسم " صدقت " . 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المؤلف : عادل أنسي محمد
NomE-mailMessage